يوسف زيدان

28

رسالة الأعضاء

فمن خلال هذه النصوص ، يمكن لنا أن نضع الصورة المتكاملة لتصور ابن النفيس للدورة الدموية الكبرى ؛ فهو بعد أن وضع تصوره للدورة الرئوية حيث يتحرك الدم من القلب إلى الرئة ، ثم يعود محملا بالهواء ، فهنا لا يقال عنه إنه دم ، بل أرواح ( إذ الجوهر الروحي هو الممتلئ بالهوائية ) ثم يجتمع الغذاء مع الهواء بهذه الأرواح التي يصفها بأنها ( حاملة القوى ) وينقبض القلب الذي لابد من وجوده في كل حيوان له دم ، فتنتشر هذه الأرواح في الجسم عبر الشرايين ، التي تنبسط هي الأخرى وتنقبض ليسهل نفوذ الأرواح إلى الأعضاء الطرفية من القلب ( الذي جعل في الوسط ؛ لأنه أولى المواضع بالجوز ) وبعد ذلك ينبسط القلب ، فتعود إليه الأرواح بعد تغذية الأعضاء ؛ لتندفع مرة أخرى بعد أن تمتلئ بالهواء والغذاء . . وهكذا . وقد وقع ابن النفيس في بعض الأخطاء ، منها عدم قدرته على اكتشاف الشعيرات الدموية الواصلة بين الشرايين والأوردة ، والتي تحتاج رؤيتها لأدوات لم تكن متوفرة في عصره ، ولذلك فهو لم يفطن إلى أن رجوع الدم ، إنما يكون في الأوردة وليس الشرايين ، كما أخطأ في عدم إدراكه لطبيعة امتصاص الغذاء في الخملات المعوية ، وقوله إن هذا الامتصاص يكون في الكبد ؛ ولذلك قال إن الأوردة المتصلة بالكبد هي التي تحمل الغذاء . ومع ذلك ، فقد وضع ابن النفيس تصورا مبتكرا وجديدا للدورة الدموية الكبرى ، واستطاع أن يقترب من طبيعة حركة الدم في الجسم ، وهي الحركة التي وضع هارفي شكلها النهائي في مؤلفه ( دراسة تشريحية تحليلية لحركة القلب والدم في الحيوان ) وهو المؤلف الذي ظهر سنة 1628 ميلادية ، بعد أن كانت مؤلفات ابن النفيس قد ترجمت إلى اللاتينية ، فكانت هذه الترجمات واحدة من الطرق التي انسرب منها الطب العربي إلى الغرب « 1 » ؛ ليستكمل الغرب الأبحاث الطبية ، ويصل إلى ما وصل إليه اليوم . وهكذا يرجع الفضل لابن النفيس في بيان الخطوط العريضة لدورتى الدم في الجسم ، بحيث يضاف اكتشافه للدورة الدموية الكبرى ، لما سبق أن توصل إليه التطاوي من معرفة ابن النفيس بالدورة الدموية ( الرئوية ) وبذلك تكتمل الدائرة الخاصة

--> ( 1 ) د / بول غليونجي : ابن النفيس ، ص 148 .